الشيخ داود الأنطاكي
123
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
اعترفوا في التشريح باختلاف أمزجة الأعضاء ، وأن لكلٍ حكماً ، فهل هذا إلّا مناقضة . تكميل قد ثبت بتوجيه ما قلناه صحة مذهب المعلّم في كون القلب مبدأ للكل . فاعلم أنه قد جرى بين اتباعه خلاف ، فذهب تلميذه اندروماخس وغالب المشائيين « 1 » إلى أن ما فيه هذه القوى والأرواح إذا ورد على رئيس من الأربعة ، هل تبطل منه ما عدا قوة ذلك العضو ، ولم يبق فيه غير قوته كالطبيعية في الكبد ؟ . وهذا باطل ؛ لأن الهيولى لا يمكن أن تفارق الصورة كما ثبت . وذهب انطافورس صاحب المرتبة بعد المعلم وغالب أهل الاشراق والشيخ والصابئ إلى أن القوى باقية ، وانما ظهور فعلها موقوف على عضو مخصوص . وهذا هو الحق ؛ لانّا نقول : إن الروح الباصر في الغذاء بالقوة فضلًا عن كونه في القلب . وانما الابصار به موقوف على وروده إلى الجليدية المعدة لانتقاش الأشباح ، وهكذا غيرها فتنبه . فثبت بما تقرر أن الحق عدم انقسام الروح إلى ما مر . بل هي واحدة في الأصل مستعدة في هذه الأعضاء حين تفاض عليها من مبدئها للاقسام المذكورة . ولنا أن نقول : التقسيم الأول اصطلاح طبي ولا مشاحة فيه . ومادة الأرواح الدم وصورتها البخار المذكور ، وفاعلها الكيفيات ، وغايتها حمل القوى إلى مصادر غاياتها . وقال المسيحي : الروح هو الهواء المستنشق . قال الملطي : ولم أر لهذا القول حجة . ويمكن أن دليله ، سرعة الموت عند عدم الاستنشاق . وأنا أقول : إن هذه الحجة غير صالحة ؛ لأني أقول : ما جاء الموت إلّا من شدة الحرارة التي كان يبردها الهواء ، ا لا ترى أن الكائن في نحو الحمام يموت مع مداومة الاستنشاق فهل ذاك إلّا من حر الهواء ؟ ! والصحيح : أن الهواء يفعل في الروح كالماء في الغذاء يغرق ويلطف خاصة والروح مما ذكرنا ، ويرشدك إلى ذلك بطلان حس العضو عند احتباس الدم عنه .
--> ( 1 ) المشاؤون : هم اتباع فلسفة أرسطو ، سُمُّوا هكذا نسبةً إلى زعيمهم الذي كان يلقي تعاليمه وهو يتمشَّى . فالمشَّائيَّة : فلسفة أرسطو . ( المنجد في اللغة ) . )